الانتخابات ولو على الحمّالات

الاستحقاق الدستوري ليس ذريعة!

المحامي عمر العطعوط

تتزايد وتتضاعف بأعداد مقلقة حالات الوفاة والإصابة بفيروس كورونا المستجد، مما دفع الحكومة إلى إغلاق المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات وبعض القطاعات الأخرى وكذلك زيادة ساعات الحظر الليلي وذلك في محاولة لحصر وتقليل عدد الحالات قدر الإمكان. 

دون الحاجة للدخول في جدل حول مدى سلامة القرارات الحكومية المتخذة ولا سيما في الإصرار على  إغلاق المؤسسات التعليمية خلافاً لمعظم ما قامت به الدول الأخرى في العالم التي تشابه الوضع الوبائي لديها معنا والتي بدأت بإغلاقات وحظر لعدّة قطاعات باستثناء المدارس والجامعات كما يحدث الآن في بريطانيا مثلاً؛ ولكن يبقى من الملفت أن الدولة لا تزال تُصر على إجراء الانتخابات النيابية في 10/11/2020 رغم كل الأخطار وحالات الانتشار المجتمعي للفيروس وعشرات الآلاف من الإصابات المُعلنة وأكثر من الف وفاة. ولا نستطيع إنكار أن التجمعات  الانتخابية المنتشرة على مساحة البلد كافة وليس فقط ما تم تسريبه من خلال فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي قد ساهمت بذلك بشكل كبير، هذا بالإضافة إلى ما سيحدث يوم الاقتراع من مخالطة لن تمنعها الإجراءات المقدرة التي تبذلها الهيئة المستقلة للانتخابات وهذا جلي وواضح. 

تنحصر كل الذرائع التي تبديها الحكومة والهيئة المستقلة للانتخاب لتبرير إصرارها على إجراء الانتخابات في موعدها في موضوع الاستحقاق الدستوري الملزم، وأن آخر موعد لإجراء هذه الانتخابات دستوريًا 26/01/2021 وبخلاف ذلك سوف يعود مجلس النواب الثامن عشر. 

بغض النظر عن أسباب الإصرار على عدم عودة المجلس السابق لأشهر قليلة ريثما تتحسن الظروف الوبائية في الأردن وكأن المجلس الجديد سوف يختلف عن القديم؛ فإن القول بأنه لا يمكن إجراء الانتخابات دون انعقاد المجلس السابق في نهاية شهر 1/2021 ليس صحيحاً بالمطلق حيث أنه وبموجب أحكام الدستور تبقى هناك الخيارات التالية: 

أولا: إذا كان الوضع الوبائي في شهر 1/2021 لا يزال سيئاً فإن المجلس السابق سيعود حكماً بتاريخ 27/01/2021 وهناك صلاحية للملك بموجب المادة 81 من الدستور بتأجيل جلسات المجلس ثلاث مرات بما لا يتجاوز مدة  شهرين وبالتالي لا يعقد المجلس جلسات قبل 27/03/2021. 

ثانياً: في هذه الحالة، وإذا كانت الرغبة بعدم انعقاد هذا المجلس مستمرة، يجب أن تجرى الانتخابات قبل 26/03/2021. 

ثالثاً: في حال كان الوضع الوبائي لا يزال سيئاً خلال شهر 3/2021 للملك صلاحية حل مجلس النواب الثامن عشر قبل 27/03/2021 وبالتالي يجب أن تجري الانتخابات خلال أربعة أشهر من تاريخ الحل وبالتالي تملك الهيئة المستقلة للانتخاب في حينه إجراء الانتخابات في أي وقت قبل 27/07/2021 أي في فصل الصيف.

رابعاً: قد يقول قائل أن استخدام صلاحية الملك في حل مجلس النواب ذاته أكثر من مرة فيه التفاف على الدستور لغايات تأجيل الانتخابات أكثر من أربع شهور – وهو الحد الأقصى الذي ينص عليه الدستور؛ وهذا قد يكون صحيحًا من حيث المبدأ بل وأنا شخصيًا أرى أن أي حل للمجلس يجب أن يكون مسببًا تنفيذًا لمنطق المادة 74 من الدستور والتي تنص على أنه إذا حل مجلس النواب لسببٍ ما فلا يجوز حل المجلس الجديد للسبب مفسه؛ ولكن هذه لن تكون الحالة الأولى التي يتم بها حل ذات مجلس النواب مرتين حيث سبق وتم حل مجلس النواب التاسع والذي كان قائماً ما بين الأعوام 1967 الى عام 1971 مرتين حيث لم تجري الانتخابات في العام 1971 وبقي المجلس قائماً وفق النصوص الدستورية إلى أن صدرت الارادة الملكية السامية بتاريخ 03/03/1973 بالتمديد للمجلس لمدة سنتين ومن ثم  وفي 23/11/1974 صدرت الإرادة الملكية بحل مجلس النواب التاسع (الحل للمرة الأولى) وحين لم تجري الانتخابات بعد ذلك في المدّة المنصوص عليها استعاد المجلس سلطاته الدستورية بل وقام بتعديل المادة 73 من الدستور في حينه ومن ثم صدرت الإرادة الملكية بحل ذات المجلس للمرة الثانية بتاريخ 07/02/1976. 

إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلد وتزايد الإصابات وحالات الوفاة بسبب هذا الفيروس اللعين تقتضي منا البحث في جميع الحلول الممكنة لمنع التجمعات بين الناس وتحقيق التباعد الجسدي وتفعيل المبدأ المقدس أن حق الإنسان بالحياة هو الأولى بالرعاية دائماً وبالتالي فإن هناك حلولاً لموضوع إجراء الانتخابات تمتد  حتى الصيف القادم دون أن يتم التجاوز على الاستحقاقات الدستورية ونحمي صحة الناس.

أين المسؤولية الأخلاقية في فاجعة البحر الميت؟

مشاركتي في حلقة برنامج «كلام صريح» على قناة الأردن اليوم، حول المسؤولية الأخلاقية والسياسية في فاجعة البحر الميت.


 

حوار على «نبض البلد» حول قبول وإلغاء الفعاليات

تاليًا التسجيل الكامل لمشاركتي في حلقة برنامج «نبض البلد» على قناة رؤيا، مع الوزير الأسبق الدكتور بسّام العموش، عن مدى قانونية منع الحكومة لفعاليات مختلفة.

بين حوار الرابع ورسائل الشارع… أين هوية الحراك ؟

التسجيل الكامل لحلقة برنامج «عين الحدث» مع قادسية الضمور على قناة الأردن اليوم، بعنوان «بين حوار الرابع ورسائل الشارع… أين هوية الحراك»؟ والتي تحدثت فيها إلى جانب النائب السابق جميل النمري.

لماذا يجب أن نرفض مشروع قانون الجرائم الإلكترونية

المحامي عمر العطعوط

في غمرة انشغال الرأي العام الأردني بمشروع قانون ضريبة الدخل، أحالت حكومة هاني الملقي إلى مجلس النواب في أيّار الماضي مشروع القانون المعدل لقانون الجرائم الإلكترونية، وأدرجته حكومة الرزّاز على جدول أعمال الدورة الاستثنائية لتبدأ اللجنة القانونية بمناقشته مطلع الأسبوع الماضي.

استندت الحكومة في تبرير هذه التعديلات، حسب ما أوردته في أسبابها الموجبة، إلى «التطور التكنولوجي المتسارع في وسائل الاتصالات وما نجم عنه من اتساع نطاق استخدام الشبكة المعلوماتية سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات برامج الأجهزة الذكية»، وقالت إن هذا القانون جاء لمعاقبة كل من يسيء استخدام تلك الوسائل، تحت ذريعة أن قانون العقوبات الحالي قديم ولم يعالج الجرائم المرتكبة بتلك الوسائل الحديثة.

لكن الاطلاع على تفاصيل قانون الجرائم الإلكترونية الساري المفعول ومشروع القانون المعدل يُظهر أن الدافع وراء القانونين (الحالي أو المعدل) هو استخدام أدوات التشريع من أجل تقييد حرية التعبير والرأي وإخافة الأصوات المعارضة وجعل القانون حاجزًا ما بين المواطنين ورقابتهم الشعبية على المسؤولين في الدولة، عدا عن أن في هذا القانون اعتداءً على حقوق الأردنيين بالخصوصية والمكفول بموجب أحكام الدستور.

باستعراض المشروع المعدل نجد أن التعديلات لا تتوافق ما ورد في الأسباب الموجبة المرفقة بالقانون وكذلك كل التبريرات الحكومية بهذا الخصوص.

تعريف فضفاض لـ«خطاب الكراهية»

أضاف مشروع قانون الجرائم الإلكترونية تعريفاً لخطاب الكراهية (لم يكن موجودًا في القانون ساري المفعول) بأنه «كل قول أو فعل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات الدينية أو العرقية أو الاقليمية أو الدعوة للعنف أو التحريض عليه أو تبريره أو نشر الإشاعات بحق أي شخص من شأنها إلحاق الضرر بجسده أو ماله أو سمعته».

وحتى نفهم الغاية من وراء هذا النص علينا أن نفصل بين الشق الأول منه والخاص بـ «إثارة النعرات والفتنة والدعوة للعنف» عن الجزء الثاني المتعلق بـ «نشر الإشاعات بحق الأشخاص».

بالنسبة للشق الأول، وخلافًا لتبريرات الحكومة، فإن قانون العقوبات الساري المفعول يعالج تلك الأفعال ويُجرّمها، حيث نصت المادة 150:

« كل كتابة وكل خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مئتي دينار.»

هذا بالإضافة لما ورد في المواد 273 و275 و276 و277 و278 وكلّها متعلقة بتجريم الأفعال التي تؤدي الى إهانة الشعور الديني للآخرين.

إذًا فالأفعال الواردة تحت بند «خطاب الكراهية» المستحدث هي أفعال مُعاقب عليها بموجب أحكام قانون العقوبات ويشمل ذلك كل وسائل النشر. وعلى الرغم من إشكالية تلك النصوص إلا أن عباراتها تبقى أكثر تحديدًا، وعلى فرض وجود حاجة للتعديل، فالأجدى أن يتم ذلك على ذات القانون ولا سيما وأن آخر تعديل جرى على قانون العقوبات بما في ذلك المادة 150 منه كان في العام 2017.

أما الشق الثاني الوارد في تعريف خطاب الكراهية والمتعلق بـ«نشر الإشاعات بحق أي شخص من شأنها إلحاق الضرر بجسده أو ماله أو سمعته» فهو الأخطر ويُمثل الهدف الحقيقي من التعديل إذ يؤدي إلى التضييق على حرية التعبير والبحث والنقد والرقابة الشعبية.

في ضوء غياب أي تعريف للإشاعة بموجب أحكام القانون فإن هذه الفقرة ستؤدي إلى تحصين المسؤول العام سواء كان رئيسًا للوزراء أو وزيرًا أو نائبًا أو غيره من رقابة الرأي العام على أعماله، بينما المفترض أن المسؤول – في الدول الديمقراطية على الأقل – يعلم أنه بقبوله المنصب العام فهو معرض للرقابة وعليه أن يقبل من الانتقاد واللوم والمساءلة وحتى الهجوم ما لا يُطلب من الشخص العادي قبوله.

وأما القول بأن هذه المادة جاءت لحماية الاشخاص من الابتزاز أو الشتم أو الذم فهو غير مقنع لأن هذه الأفعال جميعها تُشكل جرائم موصوفة ومُعاقب عليها ليس فقط في قانون العقوبات الساري المفعول بل وأيضًا في المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية الحالي بموجب نص قُصد به رفع الحد الأدنى للعقوبة خلافا للحال في قانون العقوبات.

وبعيدًا عن جزئية «نشر الإشاعات»، هناك التعريف الفضفاض لـ«إثارة الفتنة أو النعرات الدينية»، وهي مشكلة سابقة لقانون الجرائم الإلكترونية وموجودة في قانون العقوبات. لا خلاف على الحق الذي يكفله الدستور بحماية حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد للجميع، ولكن الاستناد إلى نصوص فضفاضة لا تضع حدًا ما بين الرأي والفكرة وحق إعمال العقل في ما قد يعتبره البعض مسلّمات أو ثوابت دينية من جهة – مثل الإرث أو الحجاب أو الزواج والطلاق وغيره – وما بين الشتيمة والإهانة والتحريض من جهة أخرى فيه تضييق ليس فقط على الحق بالتعبير بل والحق في التفكير أيضًا.

انتهاك لخصوصية المراسلات

من التعديلات الإشكالية أيضًا والتي تؤدي إلى تقييد حرية التعبير وخرق الحياة الخاصة للأردنيين التعديل الذي قامت به الحكومة على تعريف نظام المعلومات في مقدمة المشروع وذلك بإضافة «التطبيقات» إليه، ما يعني إدراج جميع تطبيقات الهواتف الذكية مثل الواتساب وخلافه وإخضاعها للرقابة.

تنص المادة 10 من مشروع القانون على ما يلي:

«أ. يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف ولا تزيد على عشرة آلاف دينار كل من قام بنشر أو إعادة نشر ما يعد خطابًا للكراهية عبر الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو نظام المعلومات.

«ب. يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة أ من هذه المادة كل من ارتكب أيًا من الجرائم المنصوص عليها في المواد (273)، و(276)، و(278)، و(393) من قانون العقوبات إذا ارتكبت عبر الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو نظام المعلومات».
على ضوء تعريف خطاب الكراهية بموجب مشروع القانون ولا سيما العبارة الفضفاضة والمتمثلة بنشر الإشاعات، وعلى ضوء إضافة تطبيقات الهواتف الذكية باعتبارها إحدى الوسائل المُجرمة لنشر هذه الخطابات، فإن ذلك يعني من ناحية عملية أن قيام أي شخص بإرسال رسالة خاصة إلى صديق له أو مجموعة خاصة سواء بالواتساب أو الماسنجر أو غيرها يقول فيها مثلًا «والله يا عمي هذه سولافة سكن كريم حاسس فيها فساد مش مرتاح لها وفيها شبهة» يمكن أن يعتبر نشرًا للإشاعة وبالتالي خطاب كراهية يعرّض المرسل إلى إمكانية الحبس ثلاث سنوات.

تغليظ العقوبات والتوسّع في التوقيف

شملت أيضا التعديلات الحكومية في مشروع القانون تغليظ العقوبات بالحبس على الأفعال المُرتكبة خلافًا لأحكامه على الرغم من أن تلك العقوبات ليست قديمة وإنما صدرت لأول مرة بموجب القانون الحالي في العام 2015، فما الغاية من هذا التشديد؟ هل أظهرت الدراسات أن تلك العقوبات لم تكن رادعة؟ كم عدد الحالات التي كرّرت الجريمة بعد العقوبة؟ في العادة هذه هي المعطيات التي تتم دراستها في علم الجريمة والعقاب من أجل التقييم، وهذا بالتأكيد لا يظهر خلال أقل من ثلاث سنوات على تطبيق قانون ما.

كانت الأحكام بموجب القانون السابق في حدها الأقصى لا تزيد عن سنتين باستثناء الأفعال المنصوص عليها في المادتين السادسة والسابعة منه والخاصة بجرائم الاحتيال الإلكترونية. وحيث أن قانون أصول المحاكمات الجزائية يمنع التوقيف في الجنح التي لا تزيد عقوبتها القصوى عن سنتين، قامت الحكومة بموجب المشروع المعدل برفع العقوبات التي كانت لا تزيد عن سنتين لتصبح ثلاث سنوات لإبقاء سيف التوقيف لمدد قد تصل شهرًا مسلطاً على رقاب الناس بدلاً من أن يبقى المتهم بريئًا وغير موقوف حتى تثبت إدانته.

مشروع القانون المعدل لقانون الجرائم الإلكترونية يضاف إلى منظومة من القوانين المخالفة للدستور والتي توالى تشريعها وتعديلها منذ 2012 لتقييد الحريات العامّة وخاصّة حريات التعبير على الإنترنت والتي تفجّرت في السنوات الأخيرة في مساحات ديناميكية جديدة يعبّر فيها الأردنيون عن ضيق ذرعهم بالفساد والتفرّد بالسلطة وغياب المساءلة.

فبعد أن فرضت الحكومة في 2012 قيودًا على المواقع الصحفية الإلكترونية بوضعها تحت منظومة قانون المطبوعات والنشر (المقيّد للحريات الصحفية أساسًا)، وتوسّعت عام 2014 بتعريف الإرهاب في تعديلات قانون منع الإرهاب ليشمل أفعالًا تندرج في حرية التعبير مثل «أي قول من شأنه تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية»، ثم سنّت قانون الجرائم الإلكترونية في عام 2015 لفرض المزيد من القيود على مستخدمي المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، من المتوقع أن يمرر النوّاب التعديلات الجديدة المطروحة على قانون الجرائم الإلكترونية لكونهم مع الأسف ضمن الشخصيات العامّة التي تريد أن تبقى بعيدة عن نقد الرأي العام. فهل يؤدي هذا القانون المعدّل إلى فرض المزيد من الرقابة الذاتية؟

إسرائيل لم تتغيّر يا دكتور مروان المعشر

An Israeli soldier watches as foreign activists and Palestinian protesters avoid a tear gas fired by the Israeli army during a protest over Jerusalem tensions, near Hizma

بقلم المحامي عمر العطعوط

 

في محاضرته في مؤسسة عبدالحميد شومان بعنوان «بناء الهوية الوطنية الجامعة» الإثنين الماضي، قال الدكتور مروان المعشر ردًا على سؤال أحد الحضور إن «إسرائيل التي تفاوضنا معها قبل ٢٥ سنة ليست هي إسرائيل اليوم» وإنه وهو الذي كان عضوًا في الوفد المفاوض لم يعد مقتنعًا أن «إسرائيل جادّة في موضوع السلام».

هذا كلام يعني أن الدكتور المعشر مقتنع بأن إسرائيل كانت قبل ذلك معنية بالسّلام، وأنها لم تكن بهذا «التشدد والتطرف» إلا بعد الهجرات اليهودية من دول الاتحاد السوفييتي السابق، بحسب قوله في المحاضرة.

ألم تكن إسرائيل «متطرفة» في دير ياسين وفي الهجوم على قرية السموع وصبرا وشاتيلا؟ ألم تكن أكثر تطرفًا عندما اقتلعت السكان العرب من فلسطين من بيوتهم؟ هل كانت إسرائيل «معنية بالسلام» في حروب الهاجاناه وفي كل المجازر التي ارتكبتها منذ بدايات القرن الماضي حتى الآن؟ ألم تكن اسرائيل أكثر تشددًا في الفترة التي سبقت معاهدات السلام – التي كان الدكتور المعشر جزءًا منها – عندما قمعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بسياسة تكسير عظام الشباب الفلسطيني ومواجهة الحجارة بالرصاص؟ ألم تكن إسرائيل أكثر توحشًا عام 1996 عندما قامت بمجزرة قانا بينما كان المعشر يتبوّأ منصب السفير الأردني في إسرائيل؟  

هل كانت إسرائيل قبل أن «تتغير» بحسب المعشر قد وافقت أو التزمت حتى بالسلام القائم على برنامج الحد الأدنى الذي قدّمه النظام الرسمي العربي – ولا أقول الشعوب – والقائم على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من حزيران عام 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار مجلس الأمن رقم 194، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو حزيران في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية؟

هل كانت إسرائيل التي فاوضتها يا دكتور وكنت سفيرًا لديها ملتزمة بكل ذلك قبل أن تتغير وتتشدد في السنوات الأخيرة فقط؟

إسرائيل يا دكتور لم تتغير. إسرائيل هي المشروع القائم على أساس احتلال أراضي الغير بالقوة والاستيطان الإحلالي. إسرائيل قامت على أساس اقتلاع وقتل وتشريد السكّان الأصليين وإقامة وطن قومي ديني لليهود على أراضيهم. إسرائيل تتعامل بموجب استراتيجيات ثابتة ومرسومة منذ ما قبل نشوئها ولا تزال مُستمرة وعلى ذات النهج لتحقيق أهدافها، وما يجري في وطننا العربي اليوم جزء لا يتجزأ من مُخططات هذا المشروع الصهيوني.

قال الدكتور في محاضرته أيضًا إن المجتمع الإسرائيلي قبل 25 عامًا كان منقسمًا بين معسكرين، «يساري» يريد السلام ويميني يرفضه، وأضاف: «العملية السلمية عند المجتمع الإسرائيلي ليست ذات اعتبار، لا عند المعسكر اليميني، ولا عند المعسكر – بطّل فيه معسكر يساري، ولا عند المعسكر الآخر، معسكر حزب العمل». وهو في هذا يتمسّك بأسطورة أن حزب العمل الإسرائيلي يختلف عن حزب الليكود، وينسى أن كافة الحروب العربية الإسرائيلية من عام 1948 حتى عام 1973 جرت بينما كان حزب العمل حاكمًا، في حين تم توقيع أول اتفاقية سلام – بين مصر وإسرائيل في كامب دايفيد – عندما كان الليكود حاكمًا بقيادة مناحيم بيغن. جوهر المشروع الصهيوني لم يختلف يومًا بين الليكود والعمل، لكن وللأسف الشديد استخدمت هذه الفكرة كثيرًا في سنوات المفاوضات وبعدها لتبرير التطبيع والتعامل مع جهات «مسالمة» في المجتمع الإسرائيلي والتخلّي عن النضال في سبيل التحرر من هذا الاستعمار.

كان حريّاً بك يا دكتور، بدلًا من تجميل صورة إسرائيل «سابقًا» واعتبار كل مجازرها في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن أقل توحشًا من «إسرائيل اليوم»، أن تعتذر عن خطأ موقفك عندما شاركت في المفاوضات ووافقت أن تصبح أول سفير أردني لديها، لا أن تغيّر الحقائق التاريخية لتبرير بعض التبدّل في آرائك تجاه هذا الكيان المحتل.

إن  تفاعل عدد كبير من الحاضرين مع رد المعشر بالتصفيق والتأييد، يدل على التحدي الذي نواجهه في الأردن اليوم من حيث الرّبط الممنهج بين المطالبة بالدولة المدنية المُستندة إلى المواطنة المتساوية، وتقبّل المشروع الصهيوني (وما المنتدى العالمي للعلوم الذي يقام في الأردن بمشاركة إسرائيلية تحت شعار السلام وبحضور عدد كبير من دعاة الدولة المدنية سوى مثال آخر على ذلك). ما نراه اليوم هو أن نسبة كبيرة من النخب التي تتبنّى مشروع الدولة المدنية تنشر أيضًا ثقافة التسامح مع التطبيع  والتعامل مع العدو الذي لا يزال يحتل الأرض وما عليها ويقتل الإنسان ويبني مشروعه الذي لم يتغير يومًا في إقامة إسرائيل الكبرى.

 

الدين والدولة، من أين نبدأ؟

المحامي عمر العطعوط

في السنوات الأخيرة، في كل رمضان، بتنا نشهد ارتفاعًا في وتيرة السجالات والتغطيات في المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي حول موضوع دوام المطاعم والمقاهي والمجاهرة بالإفطار خلال هذا الشهر. نظريًا، من الإيجابي أن تطرح جميع القضايا للنقاش المفتوح بين أطياف المجتمع المختلفة وأن يتم تحدي المسلمات والأفكار السائدة.، لكن للأسف، من يتابع السجالات الفيسبوكية مؤخرًا لا يسعه إلا الشعور بالحسرة والقلق من تقزيم قيم العلمانية والحرية والدولة المدنية كما ينشدها المؤمنون بها.

الدولة المدنية هي الدولة التي يحكمها القانون الذي يتوافق عليه الناس (خارج سيطرة السلطة الدينية او الديكتاتورية) ولكن في ظل القيم الدستورية الأعلى للدولة المدنية وهي المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين أو الجنس أو أي تمييز آخر، وهذه القيم بالتأكيد تسمو على القانون العادي الذي لا يجوز أن يخالفها.

المشكلة في الأردن فيما يتعلق بهذا الموضوع ليست مشكلة سلوكيات فردية أو اجتماعية ثقافية مرتبطة بـ«قبول الآخر» فقط. الإشكالية والعقبة أمام الحرية الشخصية والدولة المدنية تكمن أيضاً في التشريع.
قانون العقوبات الأردني الحالي مثلاً ينص في المادة 2744 منه على عقوبة الحبس أو الغرامة لكل من ينقض الصيام في رمضان علناً.

القانون المدني الأردني (وهو القانون الأم) مستمد تمامًا من الفقه الإسلامي، بحسب المذكرة الإيضاحية له والتي كتبها من كلّفوا بوضع هذا القانون عام 1964. ولم يكتفوا بذلك. فالمادة الثانية من القانون المدني تنص على أن المحاكم الأردنية ملزمة بالحكم وفقًا لمبادئ الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية في كل ما لا يوجد به نص في القانون ذاته.

وهذه النصوص تنطبق على معظم التشريعات الأردنية النافذة.

لذلك، إن النقاش حول هذا الموضوع يجب أن لا يقتصر على إغلاق مطعم هنا أو تصوير غير جائز لمُفطر هناك! لأن هذه التصرفات الفردية المرفوضة للأسف لها غطاء تشريعي قائم. إذًا فالأساس يكمن في ضرورة الدعوة إلى ضرورة فصل الدين عن التشريع وهذا يتطلب جهد حقيقي وفاعل وضاغط يقوده كل من يؤمن بضرورة فصل الدين عن الدولة.

العلمانية ليست ضد الدين وهي وان كانت تدعو الى الفصل بين الدين والدولة ولكن لا تدعو الى فصله عن المجتمع بل يمكن للدين في الدولة المدنية أن يلعب دورًا كبيرًا في حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وتفاعلاتهم اليومية.

إن بناء الأردن المدني الديمقراطي والذي يقوم على المواطنة المتساوية بين جميع أبنائه بغض النظر عن الدين أو الجنس أو أي تمييز آخر يبدأ من تسمية الأمور بمسمياتها: الدولة المدنية الحقيقية عليها أن تفصل الدين عن التشريع والتعليم! أما ما ورد في المادة 2 من الدستور أن دين الدولة الإسلام فهو برأيي نص مُلتبس، فالدولة شخص معنوي اعتباري والدين للأفراد وليس للأشخاص الاعتبارية فهل سمعتم عن دولة تصلي أو تصوم أو تحج؟ هذا ما يقوم به الأفراد في الدولة وليس الدولة ذاتها.

فصل الدين عن التشريع والتعليم وبالتالي عن الدولة هو الحل لكل من يؤمن بأردن مدني ديمقراطي يسوده القانون المُرتكز على قيم المواطنة. لنبدأ ايها الاصدقاء بالاشتباك الإيجابي المُنظم في سبيل تشكيل تيار فاعل على الأرض يُنظم عملنا ويؤطر جهودنا لنكون مؤثرين وقادرين على البدء بتحقيق أحلامنا.

من ينشد التأييد عليه أن يتقدم بأيدٍ نظيفة

المحامي عمر العطعوط

لماذا نرى هذا السخط الشعبي تجاه القرارات الاقتصادية لحكومة الملقي على الرغم من أن الجميع يعلم الأوضاع الاقتصادية والمالية الخطيرة التي يمر بها الأردن؟ كلنا نعلم ما وصلت إليه المديونية، والأزمات تُحيط بنا من كل جانب، والحدود مُغلقة والمساعدات متوقفة أو تكاد. هل يرفض الشعب الأردني الذي لم يتوانَ يومًا عن التضحية في سبيل بلده هذه المرة تقديم التضحية والقبول بقرارات اقتصادية صعبة؟ بالتأكيد لا، فلماذا إذا هذا الرفض؟

أولًا: لأن المنطق والعدل ومبادئ تلازم السلطة والمسؤولية في الأنظمة الديمقراطية ترفض استدعاء ذات السلطة المسؤولة عن هذا الخراب الاقتصادي والمالي أو عن الجزء الاكبر منه للقيام بإصلاحه! وانا هنا اتكلم عن نهج تشكيل الحكومات التي يُفترض أنها مسؤولة عن السياسات الاقتصادية والمالية للدولة! فهل يُعقل أن يأتي رئيس الحكومة اليوم ليطلب من الناس تحمل نتائج الأوضاع الصعبة ومساعدته للخروج منها على الرغم من كونه جزءًا من منظومة الإدارة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه؟ ألم يكن هو مسؤولًا عن ملفات اقتصادية عندما كان وزيرًا للصناعة والتجارة والتموين في حكومات سابقة؟ لماذا يشعر المواطن أنه مضطر لتحمل نتائج تلك السياسات الاقتصادية وهو يرى أن من ساهم بإيصال البلد إلى هذه الأوضاع يكافأ بالرئاسة والوزارة وغيرها من المناصب؟ وهذا لا يشمل الملقي وحده بل كل النخب الحكومية التي توارثت وتبادلت المناصب طوال أكثر من عقد ونصف.

في العام 1989 عندما تهاوى الدينار وكانت الظروف الاقتصادية خطيرة، وتحت ضغط المطالب الشعبية آنذاك، ألغى الراحل الملك الحسين الأحكام العرفية وأجرى انتخابات نيابية نزيهة نسبيًا وتشكلت حكومة شارك بها سياسيين وليس موظفين برتب وزراء وحدث انفراج سياسي. وبسبب تلك الخطوات توقفت المظاهرات وقبل الجميع بالإجراءات الاقتصادية الصعبة المطلوبة علمًا بأن علاقات الأردن حينها كانت قد تدهورت مع سوريا ودول الخليج وتوقّفت المساعدات بما فيها الأمريكية نتيجة موقف الأردن من حفر الباطن وكان العراق في حالة حرب، ولكننا تجاوزنا الأزمة آنذاك.

أعلم حقيقة غياب أو نُدرة النخب السياسية القادرة اليوم على النهوض بالأوضاع السياسية والاقتصادية، ولكن لا بديل الآن عن اتخاذ خطوة مساوية لما حدث في العام 1989. عندها سنجد الجميع يقبل بالتضحية والقبول بالقرارات الاقتصادية الصعبة شريطة أن تكون عادلة.

السبب الثاني لهذه الهبة الشعبية ضد الحكومة هو أن الشعب لا يثق بهذه الحكومات التي تستمر في الكذب على الناس. من يُصدّق الملقي ووزراءه بزعمهم أن القرارات الاقتصادية الصعبة والضرورية لن تطال آثارها الطبقتين الفقيرة والوسطى؟ هل انتفض الفقراء وأبناء ما تبقى من الطبقة الوسطى في المحافظات والعاصمة للدفاع عن الأغنياء؟

أين نحن من المادة 111 من الدستور التي توجب تصاعدية الضريبة؟ ماذا فعلت الحكومة وسابقاتها بجرائم الفساد الموثقة بتقرير ديوان المحاسبة؟ لماذا لم يتم مساءلة ومحاسبة من تسبب بإهدار عشرات بل مئات الملايين من الدنانير من الأموال العامة في ملفات معروفة مثل سكن كريم والفوسفات والإسمنت ورخصة شركة أمنية الأولى وغيرها الكثير؟ لماذا الإصرار على إعطاء محكمة أمن الدولة صلاحية النظر في الجرائم الاقتصادية ونحن نعلم أن المحاكم الدولية لا تعترف بأحكام المحاكم الخاصة فنتعذّر بعدم قدرتنا على جلب المطلوبين والحجز على أموالهم المُهرّبة؟ عديدة هي الأمثلة التي تُظهر غياب العدالة والإرادة السياسية والرؤية عن تلك القرارات الحكومية.

إن اللحظة الراهنة تحتاج إرادة حقيقية للإصلاح، وهذا يتطلب ثورة بيضاء لا تحتمل أن يتصدرها الملقي أو غيره ممن أوصلونا إلى ما نحن فيه.

كلمتي في مؤتمر الدولة المدنية في نادي شباب الفحيص

كلمتي في مؤتمر الدولة المدنية المنعقد في مدينة الفحيص 4/12/2016

المحامي عمر العطعوط

omar_fuheisكثر الحديث خلال الفترة الماضية عن مصطلح «الدولة المدنية» حيث لا يمر يوم دون أن تطالعنا مقالة أو بحث أو إعلان حول هذا الموضوع إلى أن نشر الملك ورقته النقاشية السادسة والتي كان عنوانها «سيادة القانون أساس الدولة المدنية».

نتفق أن الدولة المدنية هي الدولة القائمة على المواطنة وسيادة القانون والتساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الأصل. ولكن الورقة النقاشية لم تحدد الفروقات بين نماذج الدول المدنية، فمثلًا في الدول المدنية- الدينية تكون قدرة الناس على اختيار النصوص القانونية التي ستحكمهم ضئيلة للغاية لكون القواعد الآمرة للمجتمع وتشريعاته محكومة مسبقًا بنصوص الدين الذي يحكم في تلك الدول، وهذا لا يمنع «مدنيتها» بالمعنى اللغوي للكلمة طالما أن الحكم ليس عسكريًا ويتم من خلال مجالس منتخبة مهمتها الرقابة على الحكومة وتفريغ النصوص الآمرة في الدين على شكل تشريعات محلية أو وضعية دون أن تملك صلاحية مخالفة تلك القواعد الشرعية. بالتالي عندما ينص الدستور على اعتبار هذه القواعد الشرعية المصدر للتشريع فإن أي قانون يخرج عن تلك القواعد الدينية يصبح غير دستوري ويبطل.

من هنا فأنني لا اتفق مع فكرة أن الدولة المدنية المنشودة في الأردن هي التي تستند إلى الدستور والقوانين ولكن «في ظل الثوابت الدينية والشرعية»، لأن المشكلة هنا أن الثوابت الدينية والشرعية من اسمها هي «ثوابت» أي لا تقبل التغيير، وهي بالضرورة تتناقض ومبدأ المواطنة المتساوية (والأمثلة على هذه متعددة من الإرث وحرية العقيدة والزواج وغيرها). إذًا الثابت الوحيد في الدولة المدنية الديمقراطية يجب أن يكون مبدأ المواطنة المتساوية، وبخلاف هذا فإن القانون هو الذي يكون مُتغيرًا بحسب ما يتفق عليه الناس. لذا فالتعريف الدقيق للدولة المدنية الديمقراطية هو الدولة التي يحكمها القانون الذي يتفق عليه الناس بأساليب ديمقراطية خارج سيطرة المؤسسة الدينية او العسكرية او الديكتاتورية: أي في غياب أية ثوابت دينية أو شرعية بل ما يختاره الناس بحرية في ظل الثابت القيمي الأساسي وهو المواطنة المتساوية.

الجانب الآخر الأساسي في حديثنا عن الدولة المدنية هو أننا لا نستطيع أن نبني هذه الدولة بدون نظام ديمقراطي سليم، وأهم قاعدة لتحقيق هذا النظام هي قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية. هل سمعتم عن ديمقراطية يغيب عنها عنصر المساءلة في الحكم؟ لذلك كنت أتمنى لو يتم طرح ضرورة العودة عن التعديلات الدستورية الأخيرة لعامي 2014 و2016 باعتبار أن العودة عن تلك التعديلات أساس في سبيل استكمال بناء الأردن المدني الديمقراطي.

هذه التعديلات شكلت ضربة للنظام البرلماني الذي يستند إليه دستور المملكة، القائم على مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات وأن الملك مصون من كل تبعة ومسؤولية وأن أوامره الشفوية أو الخطية لا تعفي الوزراء من مسؤوليتهم. فالحكومة هي التي تغطّي مسؤولية الملك أمام مجلس النواب، وتتحمل مسؤولية كافة أعمال السلطة التنفيذية بما في ذلك الحساب والعقاب، لأن الملك الدستوري لا يخطئ، وبالتالي لا تجوز محاسبته، ولذلك جاءت المادة 40 من الدستور بممارسة الملك لصلاحياته من خلال إرادة ملكية يجب أن تكون موقعة من رئيس الوزراء أو الوزير أو الوزراء المختصين، بحيث ينحصر دور الملك بتثبيت توقيعه فوق تواقيع المذكورين.

السلطة التشريعية بموجب الدستور تناط بمجلس الأمة والملك، ومجلس الأمة يتكون من مجلسي الأعيان والنواب، بالتالي عند تطبيق المادة 40 أعلاه على النص الدستوري الذي يمنح الملك صلاحية تعيين رئيس وأعضاء مجلس الأعيان، نجد أنها تشكل تطبيقًا لقاعدة أن الأمة مصدر السلطات، كيف؟ لأن الملك يمارس صلاحياته من خلال إرادة ملكية يجب أن تكون موقعة من مجلس الوزراء، أي أن القرار يصدر فعليًا عن الحكومة ويسبغ الملك إرادته عليه لمنحه الرمزية بما تعنيه تلك الإرادة من ثقة يمنحها رأس الدولة كالمباركة. بالتالي طالما أن الحكومة لا تمارس أعمالها إلا بموافقة أغلبية النواب ممثلي الشعب، بل والأصل أنها حكومة أغلبية نيابية، يكون الشعب قد اختار بشكل غير مباشر أعضاء مجلس الأعيان. والغاية من ذلك لتلافي ما قد ينتج عن عملية الاختيار المباشر في الانتخابات من إمكانية غياب كفاءات ضرورية للقيام بمهام التشريع المناطة بمجلس الأمة.

وكذلك الحال بالنسبة للسلطة القضائية، إذ نص الدستور على أنها مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك.

أما مدير المخابرات والجيش والدرك فهم موظفون تابعون للحكومة بصفتها صاحبة الولاية العامة في إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وهي بالتالي مسؤولة عن أعمالهم.

هذه النصوص لم تأت اعتباطًا، بل هي نتاج نظريات فقهية ودستورية وتجارب الشعوب لمئات السنين، والهدف منها تطبيق قاعدة قانونية ودستورية ومنطقية هي قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، وهذا بالنتيجة يشكل حماية للملك.

بالتالي فإن القول بأن التعديلات الدستورية الأخيرة تمت من أجل تعزيز الفصل بين السلطات غير صحيح، بل هي تأخذنا لنظام تتركز فيه الصلاحيات بيد جهة واحدة يمنع الدستور مساءلتها فيسقط تلقائياً مبدأ أن الشعب مصدر السلطات ويتهاوى مبدأ النظام النيابي من أساسه.

صحيح أن واقع الحال اليوم في الأردن أن الملك هو الذي يعين مدير المخابرات ورئيس هيئة الأركان المشتركة بإرادته المنفردة، وكذلك الحال بالنسبة لمدير الدرك ورئيس وأعضاء مجلس الأعيان ورئيس السلطة القضائية، وينحصر دور رئيس الحكومة وغيره من كبار الموظفين برتب وزراء بالتوقيع بلا دور حقيقي باتخاذ القرار، إلا أن استمرار الشكل الدستوري الأصلي على الأقل ضروري للحفاظ على الدستور من العبث كما يشكل تطبيقا لقاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، فلا يوجد نظام ديمقراطي في العالم يعفي من منحه الدستور صلاحية الانفراد باتخاذ القرار من مسؤولية أعماله وقراراته.

لذلك أرى ان العودة عن تلك التعديلات الدستورية من أهم أساسيات بناء الدولة المدنية الديمقراطية!