كلمتي في مؤتمر الدولة المدنية في نادي شباب الفحيص

كلمتي في مؤتمر الدولة المدنية المنعقد في مدينة الفحيص 4/12/2016

المحامي عمر العطعوط

omar_fuheisكثر الحديث خلال الفترة الماضية عن مصطلح «الدولة المدنية» حيث لا يمر يوم دون أن تطالعنا مقالة أو بحث أو إعلان حول هذا الموضوع إلى أن نشر الملك ورقته النقاشية السادسة والتي كان عنوانها «سيادة القانون أساس الدولة المدنية».

نتفق أن الدولة المدنية هي الدولة القائمة على المواطنة وسيادة القانون والتساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الأصل. ولكن الورقة النقاشية لم تحدد الفروقات بين نماذج الدول المدنية، فمثلًا في الدول المدنية- الدينية تكون قدرة الناس على اختيار النصوص القانونية التي ستحكمهم ضئيلة للغاية لكون القواعد الآمرة للمجتمع وتشريعاته محكومة مسبقًا بنصوص الدين الذي يحكم في تلك الدول، وهذا لا يمنع «مدنيتها» بالمعنى اللغوي للكلمة طالما أن الحكم ليس عسكريًا ويتم من خلال مجالس منتخبة مهمتها الرقابة على الحكومة وتفريغ النصوص الآمرة في الدين على شكل تشريعات محلية أو وضعية دون أن تملك صلاحية مخالفة تلك القواعد الشرعية. بالتالي عندما ينص الدستور على اعتبار هذه القواعد الشرعية المصدر للتشريع فإن أي قانون يخرج عن تلك القواعد الدينية يصبح غير دستوري ويبطل.

من هنا فأنني لا اتفق مع ما ورد في الورقة النقاشية السادسة من أن الدولة المدنية المنشودة في الأردن هي التي تستند إلى الدستور والقوانين ولكن «في ظل الثوابت الدينية والشرعية»، لأن المشكلة هنا أن الثوابت الدينية والشرعية من اسمها هي «ثوابت» أي لا تقبل التغيير، وهي بالضرورة تتناقض ومبدأ المواطنة المتساوية (والأمثلة على هذه متعددة من الإرث وحرية العقيدة والزواج وغيرها). إذًا الثابت الوحيد في الدولة المدنية الديمقراطية يجب أن يكون مبدأ المواطنة المتساوية، وبخلاف هذا فإن القانون هو الذي يكون مُتغيرًا بحسب ما يتفق عليه الناس. لذا فالتعريف الدقيق للدولة المدنية الديمقراطية هو الدولة التي يحكمها القانون الذي يتفق عليه الناس بأساليب ديمقراطية خارج سيطرة المؤسسة الدينية او العسكرية او الديكتاتورية: أي في غياب أية ثوابت دينية أو شرعية بل ما يختاره الناس بحرية في ظل الثابت القيمي الأساسي وهو المواطنة المتساوية.

الجانب الآخر الأساسي في حديثنا عن الدولة المدنية هو أننا لا نستطيع أن نبني هذه الدولة بدون نظام ديمقراطي سليم، وأهم قاعدة لتحقيق هذا النظام هي قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية. هل سمعتم عن ديمقراطية يغيب عنها عنصر المساءلة في الحكم؟ لذلك كنت أتمنى لو أن الورقة النقاشية السادسة طرحت التعديلات الدستورية الأخيرة لعامي 2014 و2016 باعتبار أن العودة عن تلك التعديلات أساس في سبيل استكمال بناء الأردن المدني الديمقراطي.

هذه التعديلات شكلت ضربة للنظام البرلماني الذي يستند إليه دستور المملكة، القائم على مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات وأن الملك مصون من كل تبعة ومسؤولية وأن أوامره الشفوية أو الخطية لا تعفي الوزراء من مسؤوليتهم. فالحكومة هي التي تغطّي مسؤولية الملك أمام مجلس النواب، وتتحمل مسؤولية كافة أعمال السلطة التنفيذية بما في ذلك الحساب والعقاب، لأن الملك الدستوري لا يخطئ، وبالتالي لا تجوز محاسبته، ولذلك جاءت المادة 40 من الدستور بممارسة الملك لصلاحياته من خلال إرادة ملكية يجب أن تكون موقعة من رئيس الوزراء أو الوزير أو الوزراء المختصين، بحيث ينحصر دور الملك بتثبيت توقيعه فوق تواقيع المذكورين.

السلطة التشريعية بموجب الدستور تناط بمجلس الأمة والملك، ومجلس الأمة يتكون من مجلسي الأعيان والنواب، بالتالي عند تطبيق المادة 40 أعلاه على النص الدستوري الذي يمنح الملك صلاحية تعيين رئيس وأعضاء مجلس الأعيان، نجد أنها تشكل تطبيقًا لقاعدة أن الأمة مصدر السلطات، كيف؟ لأن الملك يمارس صلاحياته من خلال إرادة ملكية يجب أن تكون موقعة من مجلس الوزراء، أي أن القرار يصدر فعليًا عن الحكومة ويسبغ الملك إرادته عليه لمنحه الرمزية بما تعنيه تلك الإرادة من ثقة يمنحها رأس الدولة كالمباركة. بالتالي طالما أن الحكومة لا تمارس أعمالها إلا بموافقة أغلبية النواب ممثلي الشعب، بل والأصل أنها حكومة أغلبية نيابية، يكون الشعب قد اختار بشكل غير مباشر أعضاء مجلس الأعيان. والغاية من ذلك لتلافي ما قد ينتج عن عملية الاختيار المباشر في الانتخابات من إمكانية غياب كفاءات ضرورية للقيام بمهام التشريع المناطة بمجلس الأمة.

وكذلك الحال بالنسبة للسلطة القضائية، إذ نص الدستور على أنها مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك.

أما مدير المخابرات والجيش والدرك فهم موظفون تابعون للحكومة بصفتها صاحبة الولاية العامة في إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وهي بالتالي مسؤولة عن أعمالهم.

هذه النصوص لم تأت اعتباطًا، بل هي نتاج نظريات فقهية ودستورية وتجارب الشعوب لمئات السنين، والهدف منها تطبيق قاعدة قانونية ودستورية ومنطقية هي قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، وهذا بالنتيجة يشكل حماية للملك.

بالتالي فإن القول بأن التعديلات الدستورية الأخيرة تمت من أجل تعزيز الفصل بين السلطات غير صحيح، بل هي تأخذنا لنظام تتركز فيه الصلاحيات بيد جهة واحدة يمنع الدستور مساءلتها فيسقط تلقائياً مبدأ أن الشعب مصدر السلطات ويتهاوى مبدأ النظام النيابي من أساسه.

صحيح أن واقع الحال اليوم في الأردن أن الملك هو الذي يعين مدير المخابرات ورئيس هيئة الأركان المشتركة بإرادته المنفردة، وكذلك الحال بالنسبة لمدير الدرك ورئيس وأعضاء مجلس الأعيان ورئيس السلطة القضائية، وينحصر دور رئيس الحكومة وغيره من كبار الموظفين برتب وزراء بالتوقيع بلا دور حقيقي باتخاذ القرار، إلا أن استمرار الشكل الدستوري الأصلي على الأقل ضروري للحفاظ على الدستور من العبث كما يشكل تطبيقا لقاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، فلا يوجد نظام ديمقراطي في العالم يعفي من منحه الدستور صلاحية الانفراد باتخاذ القرار من مسؤولية أعماله وقراراته.

لذلك أرى ان العودة عن تلك التعديلات الدستورية من أهم أساسيات بناء الدولة المدنية الديمقراطية!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s