الدين والدولة، من أين نبدأ؟

المحامي عمر العطعوط

في السنوات الأخيرة، في كل رمضان، بتنا نشهد ارتفاعًا في وتيرة السجالات والتغطيات في المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي حول موضوع دوام المطاعم والمقاهي والمجاهرة بالإفطار خلال هذا الشهر. نظريًا، من الإيجابي أن تطرح جميع القضايا للنقاش المفتوح بين أطياف المجتمع المختلفة وأن يتم تحدي المسلمات والأفكار السائدة.، لكن للأسف، من يتابع السجالات الفيسبوكية مؤخرًا لا يسعه إلا الشعور بالحسرة والقلق من تقزيم قيم العلمانية والحرية والدولة المدنية كما ينشدها المؤمنون بها.

الدولة المدنية هي الدولة التي يحكمها القانون الذي يتوافق عليه الناس (خارج سيطرة السلطة الدينية او الديكتاتورية) ولكن في ظل القيم الدستورية الأعلى للدولة المدنية وهي المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين أو الجنس أو أي تمييز آخر، وهذه القيم بالتأكيد تسمو على القانون العادي الذي لا يجوز أن يخالفها.

المشكلة في الأردن فيما يتعلق بهذا الموضوع ليست مشكلة سلوكيات فردية أو اجتماعية ثقافية مرتبطة بـ«قبول الآخر» فقط. الإشكالية والعقبة أمام الحرية الشخصية والدولة المدنية تكمن أيضاً في التشريع.
قانون العقوبات الأردني الحالي مثلاً ينص في المادة 2744 منه على عقوبة الحبس أو الغرامة لكل من ينقض الصيام في رمضان علناً.

القانون المدني الأردني (وهو القانون الأم) مستمد تمامًا من الفقه الإسلامي، بحسب المذكرة الإيضاحية له والتي كتبها من كلّفوا بوضع هذا القانون عام 1964. ولم يكتفوا بذلك. فالمادة الثانية من القانون المدني تنص على أن المحاكم الأردنية ملزمة بالحكم وفقًا لمبادئ الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية في كل ما لا يوجد به نص في القانون ذاته.

وهذه النصوص تنطبق على معظم التشريعات الأردنية النافذة.

لذلك، إن النقاش حول هذا الموضوع يجب أن لا يقتصر على إغلاق مطعم هنا أو تصوير غير جائز لمُفطر هناك! لأن هذه التصرفات الفردية المرفوضة للأسف لها غطاء تشريعي قائم. إذًا فالأساس يكمن في ضرورة الدعوة إلى ضرورة فصل الدين عن التشريع وهذا يتطلب جهد حقيقي وفاعل وضاغط يقوده كل من يؤمن بضرورة فصل الدين عن الدولة.

العلمانية ليست ضد الدين وهي وان كانت تدعو الى الفصل بين الدين والدولة ولكن لا تدعو الى فصله عن المجتمع بل يمكن للدين في الدولة المدنية أن يلعب دورًا كبيرًا في حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وتفاعلاتهم اليومية.

إن بناء الأردن المدني الديمقراطي والذي يقوم على المواطنة المتساوية بين جميع أبنائه بغض النظر عن الدين أو الجنس أو أي تمييز آخر يبدأ من تسمية الأمور بمسمياتها: الدولة المدنية الحقيقية عليها أن تفصل الدين عن التشريع والتعليم! أما ما ورد في المادة 2 من الدستور أن دين الدولة الإسلام فهو برأيي نص مُلتبس، فالدولة شخص معنوي اعتباري والدين للأفراد وليس للأشخاص الاعتبارية فهل سمعتم عن دولة تصلي أو تصوم أو تحج؟ هذا ما يقوم به الأفراد في الدولة وليس الدولة ذاتها.

فصل الدين عن التشريع والتعليم وبالتالي عن الدولة هو الحل لكل من يؤمن بأردن مدني ديمقراطي يسوده القانون المُرتكز على قيم المواطنة. لنبدأ ايها الاصدقاء بالاشتباك الإيجابي المُنظم في سبيل تشكيل تيار فاعل على الأرض يُنظم عملنا ويؤطر جهودنا لنكون مؤثرين وقادرين على البدء بتحقيق أحلامنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s