أرشيف التصنيف: الإصلاح في الأردن

داعش واستيراد الغاز العربي المسروق

المحامي عمر العطعوط

أنا لست خبيرا اقتصاديا، وقد لا أعلم عن كلفة بدائل الطاقة الأخرى، ولكني أعلم أن استيراد الغاز العربي “المسروق” من قبل العدو الاسرائيلي لا يجوز أن يُطرح ضمن الخيارات المتاحة أصلا، وتنفيذه يشكّل جريمة تُعيب وتُجرم أخلاقيا وشعبيا هذه الحكومة وكل صاحب قرار في هذا الموضوع بما في ذلك منظرو العيب ممن يحاولون تبرير مثل هذه القرارات اقتصاديا وماليا بل وجعلها دفاعا عن الفقراء وفواتيرهم.

وعلى الرغم من أن التعامل الرسمي والدبلوماسي مع العدو الإسرائيلي اصبح واقعا منذ توقيع معاهدة وادي عربة في العام 1994، بل وشكّل الموقف من تلك المعاهدة البوصلة في الاختيار لدخول نادي النخبة الجديدة من رؤساء ووزراء وأعيان بل ونواب من الناحية العملية، إلا أن القرار الأخير باستيراد الغاز من دولة الاحتلال شكل حالة جديدة وصادمة للمجتمع ولا يمكن تفسير أسبابه وتوقيته بمعزل عن الأوضاع التي تعاني منها المنطقة منذ بداية أحداث ما سمي بالربيع العربي وما تلاها من حروب دموية بشعة في سوريا والعراق على وجه التحديد، وعودة النظام السابق للسلطة في مصر.

كنت قد كتبت سابقاً أن النظام ولإيمانه أنه انتصر في معركة الإصلاح التي بدأها الحراك الأردني السلمي في عام 2011 قد بدأ يفرض شروط المنتصر. فكانت العودة عن ضمانات الملك لمخرجات لجنة الحوار حول قانون الانتخابات والتمسك بقانون الصوت المجزوء، وتوقفت المسرحيات الإعلامية حول ملاحقة الفاسدين ومعاقبتهم واستعادة أموال وأراضي الدولة. وعادت بنا بعض القوانين مثل المطبوعات والنشر ومحكمة أمن الدولة وما رافقها من ملاحقات أمنية وتجييش إلى ما يشبه عهد الأحكام العرفية. ومن ثم جاءت التعديلات الدستورية الأخيرة لتقوض الدستور وتجهض نظام الحكم النيابي الملكي. إن تحالف السلطة والمال في عهد المملكة الرابعة أفرز لنا مستشارين عابثين وحكومات موظفين أصحاب أيادٍ وقلوب مرتعشة، ومطبخ أمني يُدير الفريقين معا! والجميع الآن يهمسون في أذن الملك: لقد انتصرنا في معركة الإصلاح، والأوضاع الإقليمية في المنطقة كفيلة بإسكات الناس ومنعهم من الاعتراض حتى على قرار يصيب كرامتهم مثل استيراد الغاز العربي المسروق من قبل الصهاينة: فداعش على الحدود، وهنالك حالة خوف حقيقي من انتقال هذه الحالة إلى الأردن، والأولوية اليوم للدفاع والتجهيز لمواجهة الخطر القادم.

إن محاربة خطر الفكر المتطرف لا تكون بحلول أمنية قصيرة المدى فقط بل من خلال تجفيف منابع هذا الفكر والذي يعتمد بالدرجة الأولى على التخلف والفقر والجهل والفُرقة والانقسام، وهذه كلها أيضا أدوات تستخدمها الأنظمة غير الديمقراطية والتسلطية. إن ارادة التصدي لتلك الاخطار تتطلب إشراك الشعب بالمسؤولية وبالتالي التنازل طوعا عن السلطة المطلقة والانفراد بالحكم اللذين يؤديان إلى الفساد والإفساد في مختلف المناحي وينتج عنهما ما ينتج من فقر وجهل واحباط وكره، ولان السلطة المطلقة تتطلب من ممارسها أن يفعل ما بوسعه لترسيخ انقسام الناس (فرق تسد)! ولكونها تتناقض والعدالة، وبالتالي هي التي تجعل أي مجتمع حاضنة طبيعية لمثل تلك التنظيمات.

ان المس بكرامة الناس بقرارات مثل استيراد الغاز من عدوهم كالعبث بمواردهم وأرزاقهم، فالإنسان المقهور الضعيف يلجأ دائما للمجهول، ولن يستطيع احد منافسة داعش وأمثالها في تقديم هذا المجهول!

الحكومة تقوّض نظام الحكم

المحامي عمر العطعوط

قيام رئيس الحكومة  عبدالله النسور بتوجيه رسالة إلى الملك يستأذنه التقدم بمشروع لتعديلين دستورين يشمل أحدهما منح صلاحية تعيين رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير المخابرات العامة للملك يشكّل جريمة الشروع بتقويض نظام الحكم السياسي في المملكة ويستوجب تحرك النيابة العامة للتحقيق فيها.

إن هذا الفعل، بالإضافة لكونه يشكل  توريطاً غير بريء للملك وللملكية في الأردن بان يجعل القصر مسؤولاً أمام الشعب عن أية اخطاء ترتكبها المؤسسات الأمنية، فهو أيضاً ينزل بمرتبة الملك من كونه الحكم بين جميع سلطات الدولة ليصبح لاعباً، ما له آثار خطيرة على المؤسسة الملكية باعتبارها رمزا لوحدة الامة وكرامتها وعزتها.

أعلم أن النسور قد يكون قد تفاجأ برسالته الى الملك في الاعلام وتبناها مثل الخادم المطيع، كما اعلم ان هنالك صبية عابثين من مستشاري الملك في الديوان وغيره هم أصحاب هذا النصح  العبثي، لكن رئيس الحكومة يعلم أن المادة الأولى من الدستور عرّفت نظام الحكم  بأنه النظام النيابي الملكي الوراثي، كما يعلم أن الأمة وفقا للدستور هي مصدر السلطات وأن الملك رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية وان أوامره الشفوية أو الخطية لا تعفي الوزراء من مسؤوليتهم، وبالتالي فإن الحكومة هي التي تغطّي مسؤولية الملك أمام مجلس النواب، وتتحمل مسؤولية كافة أعمال السلطة التنفيذية بما في ذلك الحساب والعقاب، فالملك الدستوري لا يخطئ،  وبالتالي لا تجوز محاسبته. ولذلك جاءت المادة 40 من الدستور بضرورة ممارسة الملك لصلاحياته من خلال إرادة ملكية يجب أن تكون موقعة من رئيس الوزراء أو الوزير أو الوزراء المختصين، بحيث ينحصر دور الملك بتثبيت توقيعه فوق تواقيع المذكورين.

إن هذه النصوص لم تأت اعتباطا بل هي نتاج نظريات فقهية ودستورية وتجارب الشعوب لمئات السنين، والهدف منها تطبيق قاعدة قانونية ودستورية ومنطقية  هي قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، وهذا بالنتيجة يشكل حماية للملك حتى من نفسه.

صحيح أن واقع الحال اليوم في الأردن أن الملك هو الذي يعين مدير المخابرات ورئيس هيئة الأركان المشتركة بإرادته المنفردة، وينحصر دور النسور وأمثاله من كبار الموظفين برتب رؤساء حكومات بالتوقيع بلا دور حقيقي باتخاذ القرار. إلا أن استمرار الشكل الدستوري الأصلي على الأقل ضروري للحفاظ على الدستور من العبث وعلى نظام الحكم من التقويض كما يشكل تطبيقا لقاعدة تلازم السلطة والمسؤولية فلا يوجد نظام في العالم يعفي من منحه الدستور صلاحية الانفراد باتخاذ القرار من مسؤولية أعماله وقراراته.

في السنوات الأخيرة تم إحالة العديد من النشطاء لمحكمة أمن الدولة بتهمة العمل على تقويض نظام  الحكم السياسي للمملكة خلافا لاحكام المادة 149 من قانون العقوبات، والتي تعاقب بالاشغال الشاقة المؤقتة كل منأقدم على أي عمل من شانه تقويض نظام الحكم السياسي في المملكة أو التحريض على مناهضته.”     

ما كان يطالب به العديد من هؤلاء النشطاء حقيقة هو تفعيل المبدأ الدستوري أن الشعب هو مصدر السلطات وأن الحكومة هي صاحبة الولاية العامة على جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية وتخضع للمساءلة عن أعمالها امام برلمان منتخب على أساس نظام انتخابي وعملية انتخاب عادلة وقضاء نظامي مدني مستقل يبسط رقابته على الجميع.

إن هذه المطالب  في حقيقتها  هي نصوص دستورية معطلة تشكل نظام الحكم السياسي في الأردن وبالتالي فان العديد من هؤلاء النشطاء كانوا عملياً يطالبون باسترداد نظام الحكم.

اما ما يقوم به النسور ومستشاروا الملك اليوم فهو ترجمة حقيقية لتقويض نظام الحكم في الأردن ويستوجب التحقيق بهذه الأفعال وإيقافها حماية للبلد والشعب والدستور والملك!

الإصلاح من خلال الفوتوشوب

المحامي عمر العطعوط

جولة واحدة في شوارع العاصمة عمان ومعظم مدن المملكة هذه الأيام لمشاهدة المسرحية الهزلية الرديئة الإخراج والتمثيل الدائرة الآن تحت مسمى الانتخابات النيابية تكفي لإزالة الوهم لدى كل حالم بوجود إرادة سياسية للإصلاح، بل وتكشف زيف إدعاءات هذا النظام ومحاولاته الالتفاف على أي إصلاح حقيقي يُخرج البلد من النفق المظلم الذي تسببت به القرارات المنفردة الكارثية والفساد والإفساد ونهب مقدرات الوطن التي حكمت سياساته طوال العقد الماضي.

إن فهم النظام لحالة الضعف والانقسام التي يعاني منها المجتمع، وهو صاحب الدور الرئيسي فيها، جعله يكتفي بسلسلة مسرحيات إصلاحية باهتة جرت على مراحل كان القاسم المشترك فيها إيصال الناس الى القول المأثور “دعوت على عمرو فمات فسرّني فلما أتى زيد بكيت على عمرو”.

فنجد مثلا أن استجابة الملك لمطالب الناس في بداية الحراك بإسقاط حكومة الرفاعي”المرفوضة شعبياً” جعلته يأتي برئيس حكومة آخر ارتبط إسمه بأسوأ تزوير لانتخابات بلدية ونيابية في تاريخ المملكة، ومن ثم استمرت عملية إقالة وتعيين موظفين برتبة رئيس وزراء لمدد لا تزيد عن ستة اشهر لكل منهم، حتى الوصول للرئيس الحالي الذي جيء به لتنفيذ جميع السياسات التي عارضها وهو نائب، فأسقط في يده، ولم يجد غير التوقيت الشتوي ليمارس من خلاله ولايته العامة.

وكان النظام قد بدأ خطواته الإصلاحية من خلال تشكيل لجنة للحوار الوطني للتوافق على قانوني انتخاب وأحزاب بذات الوقت الذي عمل فيه على استخدام سلاح الفتنة في أحداث الداخلية “24 آذار” وذلك لإبعاد أي توافق ممكن بين مكونات المجتمع، ومع أنه ضمن مخرجات تلك اللجنة، إلا أن هذه الضمانة اصطدمت بالتزام “استثنائي” بالدستور الذي يعطي الولاية العامة للحكومة مما جعل الملك عاجزا(!) عن الالتزام بضمانته فكان قانون الصوت الواحد متوجا لمسيرتنا الاصلاحية.

أما اللجنة الملكية للتعديلات الدستورية فقد حرص الملك على اختيار أعضائها من بعض ممن سبق وصرح بأنه ضد المساس بالدستور، فكانت الرسالة واضحة، وأصبحت أكثر وضوحا عند إنجاز تلك التعديلات التي لم تكن إيجابية بعضها كافية لتحقيق إصلاح جاد له دلالة، ورافق ذلك استخدام أدوات القوة وتبني نهج البلطجة بمواجهة المطالب المحقة، مثل ما حصل في سلحوب وساكب واستخدام المناقل في ساحة النخيل والاعتداء على الصحفيين. وبدلاً من توجيه تهمة تقويض نظام الحكم إلى من يزور انتخابات المجلس النيابي (وهو المكون الاول لنظام الحكم حسب الدستور) أو لمن ينفرد بالحكم على حساب سلطات الدولة التي يتشكل منها النظام، أصبحت هذه التهمة توجه الى شباب الحراك المطالبين باستعادة نظامهم!
ولأن المعرفة خطر على الأردنيين، فكان لا بد من تشريع تكميم الافواه وتجفيف مصادر التواصل الاجتماعي والوصول للمعلومة، فكان قانون المطبوعات والنشر الجديد إحدى وجبات الاصلاح التي منّ بها النظام على الشعب.

أما الكرنفال التسويقي لإنجاز انشاء الهيئة المستقلة للانتخاب وإبرازها كضمانة لنزاهة الانتخابات النيابية، وكأن الجهة التي كانت تزور سابقاً هي الحكومة، أو أن الجهاز الامني المعني بالتزوير سيتوقف بأوامر هيئة لا يعين أعضاؤها دون شهادة حسن سلوك منه، فقد تبعه الكرنفال الحالي في شوارع المملكة من خلال الدعايات لانتخابات الجمال والوسامة، فمجرد كون صورة المرشح مع تحسينات الفوتوشوب تغطي اكثر من 90% من الإعلان الانتخابي للمرشحين يعطي فكرة واضحة عن شكل المجلس الجديد. الكثير من المرشحين البارزين كان حتى فترة قريبة ترتعد قرائضه من مجرد ذكر تعبير مكافحة الفساد حتى وهو على يقين بأن هذا النظام لا يمكن أن يكافح الفساد لأسباب يعلمها الجميع، ومعظمهم من أركان العهد الذي أوصل البلاد والعباد للإفلاس الاقتصادي والتفتت والانقسام الاجتماعي، كل هذا يؤشر إلى ماهية المجلس القادم الذي سيجعلنا نترحم على سابقه.

ولأن لكل مرحلة أدواتها، ولكون مرحلة الفوتوشوب لا تتناسب مع شكل البلطجة التي انتهجها النظام في المرحلة السابقة، فكان لا بد من الولوج  في مرحلة جديدة “الإصلاح من خلال اللقاءات الملكية”، فالملك يلتقي الشباب والنساء والشيوخ في لقاءات تحاورية يغلب عليها طابع الصراحة والجرأة البروتوكولية. وانتقل همّ العديد من الأردنيين من انتظار هاتف المنصب الوزاري الى هاتف الدعوة للقاء الملك، علماً بان الفكرة من هذه اللقاءات تتناقض والإصلاح الحقيقي لكونها تؤطر لاستمرار المعضلة الحقيقية وهي حالة الانفراد بالحكم. فما هي الرسالة من تحاور قوى المجتمع مع عماد فاخوري بحضور الملك في غيبة الحكومة؟ إنها الرسالة ذاتها ولكن بربطة عنق: أنا وحدي الذي يحكم وأنتم أيها الأردنيون غير جاهزين لحكم أنفسكم وفقا للدستور والنظام النيابي الملكي الذين تطالبون به، وتفضلوا هذا المجلس النيابي الذي اخترتموه، فهل تقبلون به حاكما؟!

نعود إلى مسرحية الانتخابات المهينة في الشوارع لنعي تماماً أن النظام يتصرف باعتبار انه انتصر في معركته  ضد الإصلاح الحقيقي، وقد يكون محقاً. والسبب أننا لا نزال عاجزين عن تشكيل قوة ضغط ترفع على الحكم كلفة استمرار الوضع المشوه القائم. لماذا؟

إن تحركات الشعوب سواء لإسقاط أوتغيير أنظمتها أو إصلاحها تتشكل في لحظة تاريخية تسود فيها إرادة شعبية جماعية يتكسر بمواجهتها حاجز الخوف، بحيث تتجاوز الرغبة باستعادة الحق والحرية والكرامة الخوف الكامن من بطش السلطة.

فما هو حاجز الخوف الذي كسره الاردنيون في ربيعهم؟ هل كسرنا حاجز الخوف من النظام؟ نعم! ولكن لم يكن الخوف من النظام وحده في يوم من الأيام هو الذي منع الأردنيين من المطالبة باسترداد سلطتهم وحقهم في إدارة شؤونهم.

إن حاجز الخوف لدى الاردنيين كان دائماً خوفهم من بعضهم البعض.

صحيح أن النظام استخدم أدوات القوة من قمع وبطش وحبس في سبيل إنجاح الانقلاب على التجربة الديمقراطية في الخمسينيات، الا أن آفة الانقسام بأشكالها المختلفة كانت ولا تزال هي التي تحول بين الأردنيين وحقوقهم في استرداد نظامهم النيابي الملكي.

وبدلاً من أن يشكل الربيع العربي فرصة تجعلنا نتوجه بجرأة الى الحوار والتلاقي لاعادة انتاج الدولة المدنية الديمقراطية على أساس قاعدة المواطنة باعتبار ذلك السبيل الوحيد لكسر حاجز الخوف قمنا بترسيخ وتأطير مخاوفنا، وبدأت تخرج الى العلن نظريات تعزز الانقسام وتتناقض مع الديمقراطية التي لا تقوم إلا على أساس الحقوق الفردية لا الجمعية المنقوصة ولا الجمعية المكتسبة.

كل هذا سهّل أمام النظام فرصة تحميل الشعب وزر إصراره على الاستئثار بالسلطة والثروة، فكان قرار رفع الاسعار نتيجة لفهم النظام للضعف الذي يعاني منه المجتمع والناجم بشكل أساسي عن الانقسام، وبالتالي لم يجد ضيراً من تغطية فساد قراراته وأفعاله في العقد الاخير من خلال اللجوء الى جيوب المواطنين.
المشكلة ليست في الانتخابات النيابية، وليست حتى في قانون الانتخاب ولا في النصوص الدستورية، فالنظام لا يلتفت إلى النصوص بل إلى موازين القوى التي تميل لصالحه، المشكلة فينا نحن وسنبقى نودع مجلس 111 لنستقبل مجلس 121 وندفع كلفة ذلك كله ما لم نغير ما بأنفسنا، ونتجاوز حاجز الخوف الحقيقي، فلن ينهض شعب لا يزال يختلف على مفهوم المواطنة.

الاصلاح في الاردن حتمي، من يدفع لرفع الكلفة

نشر في موقع حبر دوت كوم يوم 24/4/2011

المحامي عمر العطعوط

في ظل الحراك القائم هذه الايام على وقع الاحداث الاقليمية التي ادت الى صحوة الشعوب العربية ورغبتها الجارفة في استعادة حقها في ادارة شؤونها باعتبارها هي مصدر السلطات.

نجد اننا في الاردن نمر في لحظات متميزة ظهرت فيها ارادة شعبية جماعية للتغيير والاصلاح ،ومستوى عال من الفهم العميق لاسباب الخلل وتنبه الى عدم جواز الانجرار الى تفصيلات وامور اجرائية هي على اهميتها لا تحقق التغيير المطلوب، مما جعلنا نطالب باصلاح حقيقي يختلف عن ما حدث في الاقليم لكونه لا يدعو الى اسقاط النظام بل يتناول الاصلاح من داخل النظام مما يجعله، او من المفترض ان يجعله، اقل كلفة فكانت المطالب بالاصلاح الدستوري لمعالجة التشوهات التي افرزتها التعديلات التي جرت على دستور 1952والتي ادت بالنتيجة الى اختلال التوازن ما بين سلطات الدولة وتركزها في يد السلطة التنفيذية وانفرادها في الحكم بسلطة مطلقة ادت وتؤدي بشكل تلقائي الى الفساد والافساد فكان الوضوح في مطلب العودة عن تلك التعديلات‪ ‬والبحث في‪ ‬تعديلات اخرى تضمن المحكمة الدستورية ورد صلاحيات محاكمة الوزراء والفصل في صحة نيابة اعضاء مجلس النواب إلى القضاء النظامي، و من ثم سن قانون انتخاب وفقا لاسس عادلة تضمن تمثيل حقيقي عادل‪ ‬يسير بشكل متواز مع قانون احزاب عصري.

وبالرغم من ان المسيرات التي انطلقت في معظم محافظات المملكة للمطالبة بالاصلاح الدستوري قد اسقطت حكومة الرفاعي المرفوضة شعبيا، فان مجيء حكومة اخرى ارتبط اسم رئيسها بتزوير الانتخابات النيابية والبلدية في عام 2007 قد ساهم في زيادة القناعة لدى الناس باهمية الاصلاح الدستوري، ولا سيما عندما دافع البخيت عن حكومته السابقة بانه لم يكن على علم بتزوير الانتخابات،   فاختصر على الناس فهم قاعدة تلازم السلطة والمسؤولية، مماجعلهم يستمرون في التظاهر والعمل في سبيل تطبيقها، فالدستور يخضع الحكومة للمساءلة عن ادارة جميع شؤون الدولة بصفتها صاحبة الولاية العامة ولكن هذه الجهة الخاضعة للمسؤولية بعيدة عن اتخاذ القرار فمن هو المسؤول! وكيف يسود القانون في الدولة في غياب  المحاسبة؟ فكانت هذه الحكومة بمثابة نعمة للمطالبين في الاصلاح في اثبات ان الاصلاح الحقيقي هوالاصلاح الدستوري الذي يعيد الصلاحيات الاصيلة للسلطتين التشريعية والقضائية  في ممارسة دورهما في الرقابة على اعمال الحكومة ، وبنفس الوقت يعيد الاعتبار للحكومات  المستندة الى ارادة الشعب باعتبارها افرازا لانتخابات مجلس النواب ويجعل الاجهزة الامنية تابعة لها وليس العكس  ولا يعود هناك رئيس حكومة لا يعرف!

ولان هذه الاصلاحات تضر بمصالح قوى عديدة متنفذة شكلت ما يسمى التحالف القائم ما بين السلطة والمال والتي ترغب في  بقاء الوضع القائم لضمان استمرار  نفوذها وسلطتها وتوارثها للمناصب وثرائهاعلى حساب الشعب،والتي ارعبها وعي الشعب و مطالبه الاصلاحية  وارعبها اكثر التطور النوعي للحراك من مسيرات الجمعة الاعتيادية الى اعتصام دوار الداخلية او ماسمي حركة 24 اذار، ان اهمية هذه الحركة لم يكن في عددها او محتواها فهي بدأت بذات قوى المعارضة التقليدية المعروفة بالاضافة الى بعض فئات الحراك الشبابي غير المنظم ،ولم تكن خطيئتها في التوقيت او اختيار المكان، بل كان في ما تعنيه من امكانية ايجاد ارضية  لتطور نوعي للحراك الذي كان وما زال نخبويا الى حراك شعبي يتجاوز الخلافات والانقسامات وتختلط مكونات الشعب ليتكلموا لغة واحدة مفادها ان الانقسام وهم وان الخصم الحقيقي هو الفساد بمختلف تصنيفاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،والفساد لا يعرف اصلا ولا منبتا ولا دينا. والتحالفات الحتميةهي بالضرورة شبه طبقية وليست جغرافية او مناطقية ، وان وهم التنافس بين الاصول الشرق اردنية والاصول الفلسطينية على كعكة الوطن هي كذبة كبيرة ، فالكعكة تباع وتشترى يوميا لصالح الفاسدين من الاصول المختلفة .ولان مجرد احتمالية حصول هذا التطور يشكل كابوسا لهذه القوى، مما دفعها لاستخدام جميع الاسلحة الممكنة لافشال الحراك لان اي تاخر سيؤدي الى انتهاء صلاحية تلك الاسلحة ، فبدأت اثارة النعرات وتجييش الاطراف ضد بعضهامن خلال عملية اعلامية امنية ممنهجة في اخراج كل بعبع ممكن لاخافة الناس، ووضع الاصلاح في مواجهة الامن . واوهموا الكثيرين ان المطالبين بالاصلاح هم ضد الملك واشاعوا ان وجود حكومة برلمانية تتلازم سلطتها مع مسؤوليتها امام مجلس نواب وسلطة قضائية تفرض رقابتها على الجميع يعني وطن بديل يحكم فيه ذوي الاصول الفلسطينية او سيطرة الاسلاميين الى ما هنالك من فزاعات لاخفاء رعبهم الحقيقي من اصلاح يجردهم من مكاسبهم.

واستمرارا في سياسة التشويه المنظم لكل من يطالب بالاصلاح كان اعتصام السلفيين التكفيريين في الزرقاء  والتركيز الاعلامي على مناظر السيوف المقززة لمحاولة ربط هذه الفئة التي لا تؤمن بالديمقراطية اصلا بالاصلاح الديمقراطي.

وقد ساعد على ذلك عدم قدرة الحركة الاسلامية على التقاط اللحظة و توجيه رسالة تطمين للناس لا سيما في ضوء حالة انعدام الثقة الناجم عن التقاعس في المفاصل التاريخية ، وتجربتهم المخيبة للامل  عندما شاركو في الحكم في نهاية الثمانينات وحتى القلق من نظرتهم للديمقراطية واشكالها ،واعتقد ان اللحظة مناسبة الان لاعلان واضح من الحركة الاسلامية في الاردن في قبولها بمبدأالدولة المدنية.

ان عجلة الحرية قد انطلقت والاردنيون لا يعوزهم النضج فهم من اوائل الشعوب العربية التي مارست الديمقراطية البرلمانية منذ تجربة 1956 والانقلاب الذي تم واستمر على هذه التجربة يجب ان يتوقف الان. فاذا كان الاردنيون غير جاهزين لحكم انفسهم وفقا للدستور والنظام النيابي الملكي كما يروج البعض فان هذا ينطبق بالضرورة على الحكومة التي هي من هذا الشعب.

ان الاردنيين لن يقبلوا الا باستعادة مقدراتهم من طغمة الفاسدين من مختلف اصولهم ومنابتهم وسيستمرون بمطالباتهم وحراكهم السلمي حتى نرى اردننا دولة مدنية ديمقراطية.

الاصلاح بالقطّاعي – نحو عمان تنتخب عمدتها

المحامي عمر العطعوط

جميلة حالة النشوة التي افرزتها الأحداث في المنطقة والتي بلغت اوجها في مصر و ولدت لدينا حالة من الأمل جعلتنانجنح بأفكارنا نحو فضاءات سامية  لعملية إصلاح دستوري حقيقية يصنعها الناس و تبدأ من العودة لدستور 1952 و لا تنتهي به بل تتجاوزه بتعديلات تضمن المحكمة الدستورية ورد صلاحيات محاكمة الوزراء والفصل في صحة نيابة اعضاء مجلس النواب إلى القضاء النظامي ، و من ثم تفاصيل قانون الانتخاب وفقا لأسس عادلة تضمن تمثيل حقيقي عادل يسير بشكل متوازي مع قانون احزاب عصري.
ولكن الحقوق لا تمنح وانما تنتزع انتزاعا من خلال الحراك الشعبي السلمي المستمر ونحن وان كنا الى درجة جيدة نتفق على ماهية الاصلاحات المطلوبة لغايات بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على نظام نيابي ملكي وراثي من خلال سلطات دستورية حقيقية تتكامل دون تداخل او تغول وتقوم على مبدا ان لا سلطة بدون مسؤولية  ،نجد اننا بعيدين عن القدرة على احداث التغيير من خلال فقداننا لاهم متطلباته وهي وحدة الطبقى الوسطى فيما بينها بسبب تغليب عوامل وهمية تعزز انقسامها على منطق الاصول والمنابت بالاضافة الى الانقسامات الاخرى بين مكونات النسيج الشعبي لكل طبقاته والناجمة عن قوانين الانتخاب الفريدة من الصوت الواحد الى الصوت الوهمي و اخيرا والاهم غياب اللحظة التاريخية.
ومن خلال هذا الادراك لمعطيات العملية الاصلاحية الحقيقية وفقداننا لمتطلباتها في هذه المرحلة، نجد ان لا باس من تحقيق مكتسبات جزئية الى حين توافر معطيات افضل او توفر اللحظة التاريخية التي تاتي بدون انذار، ومن هنا ينظر الى لجنة الحوار التي شكلت بطريقة مسرحية ومقيدة بقانوني الانتخاب والاحزاب.علما ان افضل نظام انتخاب يعجز عن تحقيق النتائج المطلوبة اذا كانت الانتخابات ذاتها تجري بطريقة 2007 و2010  دون اصلاحات دستورية تجعل الاجهزة الامنية تتبع للحكومة التي هي مسؤولة امام البرلمان على قاعدة (لاسلطة بدون مسؤولية).
وبذات منطق الاصلاح بالقطّاعي القائم على موازين قوى مختل ، نجد ان هناك قوانين اخرى يقتضي النظر اليها مثل  قانون البلديات فهل يجوز ونحن في القرن الواحد والعشرون ان تكون عاصمة الاردن هي المدينة الوحيدة التي لا تنتخب ممثليها من خلال انتخاب امين وكامل اعضاء مجلس الامانة.الا يشكل ذلك اعتداء حتى على الدستور الحالي  الذي ينص في مادته السادسة على ان الاردنيون امام القانون سواء وبين قانون البلديات الذي ينص انه وباستثناء امانة عمان الكبرى يتم انتخاب رئيس واعضاء البلديات انتخابا مباشرا.
الان وقد قامت الحكومة بحل البلديات و أمانة عمان تمهيدا لإجراء الانتخابات البلدية في تموز من هذا العام نتمنى  ان نرى اهل مدينة عمان من مختلف الأصول و الأعراق يبدأون حملة للمطالبة بحقوقهم الدستورية.فهل تنتخب عمان امينها في تموز 2011.

لماذا دستور 1952

المحامي عمر العطعوط

في ظل الحراك القائم هذه الايام على وقع الاحداث الاقليمية والتي بدات في تونس وبلغت اوجها في مصر واستمرت في ليبيا وادت الى صحوة الشعوب العربية من المحيط الى الخليج واستفاقتها من حالة الموت السريري ورغبتها الجارفة في استعادة حقها في تحديد كيفية ادارة شؤونها باعتبارها هي مصدر السبلطات.

نجد اننا في الاردن نمر الان في لحظة تاريخية متميزة ظاهر فيها ارادة شعبية جماعية للتغيير والاصلاح ومستوى عال من الفهم العميق الى اسباب الخلل وتنبه الى عدم الانجرار الى تفصيلات وامور اجرائية على اهميتها لا تحقق التغيير المطلوب ،فكان مطلب العودة الى دستور 1952 والغاء جميع التعديلات التي جرت عليه وافرغته من مضمونه واخلت بنظام الحكم للدولة وهو النظام النيابي الملكي هو المطلب الابرز للشعب.واشيرانني كنت قد نشرت دراسة في صحيفتي العرب اليوم والراي بعنوان سلطة التحقيق والاتهام للوزراء في غياب مجلس النواب (كان المجلس غائبا انذاك) خلصت فيها الى ان التعديلات التي طالت دستور 1952 قد اخلت بنظام الحكم للدولة القائم على اساس نيابي ملكي وراثي ولا بد من العودة عنها.

لماذا دستور 1952:
إن نظام الحكم في الاردن نيابي ملكي وراثي، وأن الأمة هي مصدر السلطات.   وهذه السلطات هي السلطة التشريعية وتناط بمجلس الامة والملك، والسلطة التنفيذية يتولاها الملك بواسطة وزراءه، والسلطة القضائية التي تتنولاها المحاكم وتصدر الاحكام باسم الملك، ولا يستقيم النظام الدستوري للدولة في غياب ايا من هذه السلطات وهو ما لم يكن متصورا في  دستور 1952 الا ان جاءت التعديلات التي طالته على امتداد السنوات وأجازت الغاء وتعطيل السلطات الدستورية واعطاء الصلاحيات الاكبر للسلطة التنفيذية من خلال امكانيةحل مجلس النواب وتعطيل الحياة النيابية لمدة غير محددة أو حل مجلس الأعيان أو عدم رحيل الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها، وبالنتيجة أخلت بالنظام الدستوري للدولة.

غياب مجلس الامة:

كما هو واضح من النصوص الدستورية فان مجلس الامة يشكل الركن الاول من اركان النظام الدستوري للدولة باعتباره النظام النيابي وباعتباره يمثل وينوب عن الامة التي هي مصدر السلطات. ولا يجوز غياب هذا الركن في اي لحظة من اللحظات وهذا فعلا ماكان ينص عليه دستور 1952 قبل التعديلات التي طالته وادى ذلك الى امكانية غياب المجلسين الاعيان والنواب :

غياب مجلس النواب:
1.  تنص المادة (68/2) من الدستور على وجوب اجراء الانتخابات الجديدة قبل أربعة أشهر من انتهاء ولاية المجلس القائم.واذا لم يتم الانتخاب عند انتهاء مدة المجلس او تاخر لاي سبب من الاسباب يبقى المجلس قائما حتى يتم انتخاب المجلس الجديد، وهو الأمر الذي يدلل على عدم جواز وجود فراغ في السلطة التشريعية في أي وقت من الأوقات.

2.  على الرغم من أن صلاحية جلالة الملك بحل مجلس النواب موجودة بموجب المادة (34) من الدستور الاصلي لعام 1952 (للملك ان يحل مجلس النواب)، إلا أن هذه السلطة كانت، قبل التعديلات الدستورية، مثقلة بالضوابط على تلك الصلاحية، فنجد أن المادة (74) من الدستور (تم اضافتها عام 1954 ) كانت تنص على وجوب استقالة الحكومة التي يحل المجلس في عهدها خلال أسبوع من تاريخ حل مجلس النواب وأن تجري الانتخابات النيابية حكومة انتقالية، ثم جرى تعديلها في العام 1958  بحيث تم شطب شرط رحيل الحكومة مما قلل كلفة اللجوء إلى قرارات الحل.

3.  كما إن صلاحية حل مجلس النواب لم تكن تؤدي إلى غياب المجلس بالشكل الحاصل حاليا، فقد كان الدستور حسب احكام المادة (73) منه، يوجب إجراء الانتخاب العام خلال أربعة اشهر على الأكثر من تاريخ الحل، وبخلاف ذلك يستعيد المجلس السابق سلطاته الدستورية كاملة ويعتبر الحل كأن لم يكن.  ولكن بموجب التعديل الأول للمادة (73) في عام 1976 تم إضافة فقرة تمنح مجلس الوزراء صلاحية التنسيب للملك بتأجيل الانتخاب العام لمدة سنة واحدة إذا كانت هناك ظروف قاهرة تمنع إجراء الانتخاب.  وفي عام 1984 جرى تعديل آخر أدى إلى إمكانية غياب مجلس النواب لمدة غير محددة وذلك بإلغاء سقف السنة الواحدة لصلاحية تأجيل الانتخاب العام بحيث أصبحت الفقرة (4) حاليا: (بالرغم مما ورد في الفقرتين (1 و 2) من هذه المادة للملك أن يؤجل إجراء الانتخاب العام إذا كانت هناك ظروف قاهرة يرى معها مجلس الوزراء أن إجراء الانتخاب أمر متعذر).

وعليه فان التعديلات التي طالت الدستور ادت بالنتيجة الى امكانية غياب مجلس النواب احد اهم اركان نظام الحكم للدولة الى اجل غير مسمى.

غياب مجلس الاعيان:

ان الجناح الاخر لمجلس الامة وهو مجلس الاعيان ايضا لم يكن متصورا غيابه وفق نصوص الدستور الاصلي قبل التعديل الذي تم في عام 1974 باضافة فقرة على المادة 34 من الدستور تمنح الملك صلاحية حل المجلس او اعفاء ايا من اعضاءه .

بالاضافة الى التعديل الذي طال المادة   65 من الدستور التي كانت تنص على ان عضوية مجلس الاعيان ثمان سنوات ويتجدد تعيين نصف الاعضاء كل اربع سنوات، ويجري الاقتراع على من يجب خروجهم في نهاية الاربع سنوات الاولى. ومن الواضح ان ايجاد الاستقلالية الكاملة لاعضاء يتم اختيارهم بالتعيين  وراء هذا التحصين.

كما ان العديد من التعديلات انتفى الآن مبرر وجودها فلا يجوز الابقاء على نصوص دستورية عدلت تسمح  بإمكانية إجراء الانتخاب في نصف دوائر المملكة أو تعيين نواب لإملاء مراكز شاغرة بغير الانتخابات.

ان العودة عن جميع التعديلات التي جرت على دستور 1952 هي المدخل الحقيقي والوحيد لاحداث الاصلاح المنشود ،وفي حال تحقق ذلك تصبح باقي الامور التي يجري تداولها الان وعلى اهميتها تفاصيل تتحقق بشكل حتمي و تلقائي ،فما قيمة قانون الانتخاب مهما توافرت فيه من متطلبات اذا كان وجود مجلس النواب ذاته قابل للالغاء والتعطيل وباي وقت ولاي وقت.
كما ان استهتار الحكومات المتعاقبة في اصدار القوانين المؤقتة هو ايضا نتيجة التعديلات الدستورية، حيث ان النص الاصلي كان يتطلب توافر حالات الحرب والكوارث العامة لغايات اصدار القوانين المؤقتة ،كما ان المشرع الدستوري (قبل التعديلات) لم يكن متصورا في ذهنه غياب مجلس النواب لاكثر من ايام قد تمتد في حالتها القصوى والاستثنائية الى اربعة اشهر وقد لا تحصل هذه الحالة مطلقا واذا حصلت قد لا تتكرر كل مئتي عام،لان نظام الحكم هو نظام نيابي ملكي وراثي وهي عناصر لا يجوز ان يغيب ايا منها في اي وقت طالما انها العناصر المكونة لنظام الحكم.

كما أن الإصلاح الدستوري لا يحتاج إلى العودة عن جميع التعديلات التي طالت دستور 1952 فقط، بل لا بد من القيام بإصلاحات دستورية كإنشاء محكمة دستورية، ورد صلاحيات محاكمة الوزراء إلى المحاكم النظامية، وإلغاء المادة (71) من الدستور التي تعطي مجلس النواب حق الفصل في صحة نيابة أعضائه ورد تلك الصلاحيات إلى القضاء النظامي وهذا بحث اخر.

سلطة التحقيق والاتهام للوزراء في غياب مجلس النواب، والإشكالية الدستورية

نشر في صحيفتي العرب اليوم بتاريخ 28/:4/2010 والراي في 1/5/2010 وموقع عمون الاخباري
المحامي عمر العطعوط
في ظل ما يثار حول مصير القضايا التي بدأ مجلس النواب السابق التحقيق بها، والجهة التي تملك سلطة الاستمرار في إجراءات الملاحقة والاتهام للوزراء عن الجرائم المرتكبة اثناء الوظيفة في ضوء غياب المجلس، ومدى صلاحية النيابة العامة بالتحقيق في تلك الملفات باعتبار ما جاء فيها يشكل في حال ثبوته جرما يعاقب عليه القانون.  نجد ان الدستور أناط بمجلس النواب سلطة الاتهام أمام المجلس العالي في القضايا التي يحاكم فيها الوزراء عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تأدية وظائفهم وذلك بموجب المادة (56) التي تنص: (لمجلس النواب حق اتهام الوزراء ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأكثرية ثلثي أصوات الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب وعلى المجلس أن يعين من أعضائه من يتولى تقديم الاتهام وتأييده أمام المجلس العالي)، وأناط بالمجلس العالي سلطة الحكم على الوزراء سندا للمادة (55) التي تنص: (يحاكم الوزراء أمام مجلس عال على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم)، مع الإشارة إلى أن المجلس العالي بموجب المادة (57) من الدستور يتكون من رئيس مجلس الأعيان رئيسا وثمانية أعضاء ثلاثة منهم يعينهم مجلس الأعيان من أعضائه بالاقتراع، وخمسة من قضاة أعلى محكمة نظامية بترتيب الأقدمية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوزراء المقصودين بالمواد (55) و (56) هم الوزراء العاملون وغير العاملين طالما انهم ارتكبوا الجرم أثناء تأدية وظائفهم وذلك سندا لفتوى المجلس العالي بموجب قراره رقم 1 لسنة1990.
وكان المجلس العالي قد اصدر عام 1992 تفسيرا للمادة (56) من الدستور خلص فيه إلى أن سلطة مجلس النواب في الاتهام تشمل أيضا سلطة التحقيق والملاحقة، وان منح هذه الصلاحية لسلطة معينة يمنع أي سلطة أخرى منممارستها، وهو ما يعني رفع يد النيابة العامة عن ملاحقة الجرائم التي يرتكبها الوزراء خلال تأدية وظائفهم وحصرها بمجلس النواب.
ويثير هذا الوضع تساؤلاً على إمكانية ملاحقة الوزراء عن ما يرتكبوه من جرائم أثناء تأديتهم لوظائفهم خلال غياب مجلس النواب ويلقي الضوء على مكامن الخلل الدستوري وأسبابه التي تؤدي إلى غياب مؤسسات الدولة الدستورية وغياب آليات المحاسبة معها.  فهل تستعيد النيابة العامة صلاحياتها الأصيلة بتولي سلطة الاتهام والتحقيق وملاحقة الجرائم التي يرتكبها الوزراء في غياب مجلس النواب؟ أم إن غياب المجلس سيبقي جزءا من الأردنيين خارج حكم القانون، وما مدى جدية ما يسمى بمكافحة الفساد في تلك الحالة إذا كان سقف هذه الملاحقة لا تشمل منصب الوزير.
إن صلاحية مجلس النواب في الاتهام هي استثناء من القاعدة العامة لولاية السلطة القضائية بممارسة سلطة التحقيق والاتهام من خلال النيابة العامة وسلطة الحكم على جميع الأشخاص في المواد الجزائية والمدنية من خلال المحاكم، ومن المستقر عدم جواز التوسع في الاستثناءات وإنما تفسر في أضيق الحدود، وسندا لتلك القاعدة نجد أن الدستور فرق ما بين سلطة القضاء في الحكم على الوزراء وسلطته في التحقيق معهم واتهامهم؛ فقد رفع يد السلطة القضائية عن الأولى ومنحها بشكل مطلق للمجلس العالي من خلال نص المادة (55) الآمر الذي جاء في مطلعه: (يحاكم الوزراء أمام مجلس عال………).  أما الثانية، وهي سلطة التحقيق والاتهام، فان النص الدستوري لم يشملها بالاستثناء بشكل مطلق حيث جاء النص: (لمجلس النواب حق اتهام الوزراء…..)، أي بمعنى جواز قيام مجلس النواب باتهام الوزراء، دون سحب هذه الصلاحية من صاحبها الأصلي، أي النيابة العامة.
ومما يدلل على هذا المعنى هو أن المادة (103) من الدستور البلجيكي، والذي استوحي منه الدستور الأردني، قد أعطت مجلس النواب البلجيكي سلطة اتهام الوزراء على سبيل الجواز بحيث جاءت العبارة (يحق لمجلس النواب.أن يتهم الوزراء ويواجههم أمام محكمة الاستئناف العليا….).  أما النص الخاص بسلطة الحكم على الوزراء فقد جاء بشكل قاطع: (محكمة الاستئناف العليا هي السلطة الوحيدة التي لها الحق في الحكم عليهم).
ومن مظاهر الاستدلال الأخرى أن إجراءات التحقيق والاتهام تشكل المرحلة التي تسبق المحاكمة، فإذا كان المشرع الدستوري قد أراد حصر سلطة التحقيق والاتهام في مجلس النواب بشكل مطلق وتجريد النيابة العامة منها، لكان رتب مواد الدستور حسب المراحل وجاء بمضمون المادة (56) المتعلقة بسلطة مجلس النواب في التحقيق والاتهام قبل المادة (55) المتعلقة بسلطة المجلس العالي في الحكم.
وهذا ما يدلل بمجموعه على أن النيابة العامة تستعيد صلاحياتها الأصيلة بالتحقيق مع الوزراء واتهامهم أمام المجلس العالي خلال غياب مجلس النواب.
إن مكامن الخلل الدستوري وأسبابه لا تتوقف عند آليات التحقيق والاتهام في جرائم الوزراء أثناء غياب مجلس النواب، بل إنها تتعدى إلى حالات من الفراغ الدستوري التي قد تنجم عن غياب المؤسسات الدستورية، وقد كانت التعديلات التي طالت دستور 1952 على امتداد السنوات السابقة السبب الرئيسي لذلك، فهذه التعديلات أجازت حل مجلس النواب وتعطيل الحياة النيابية لمدة غير محددة أو حل مجلس الأعيان أو عدم رحيل الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها، وبالنتيجة أخلت بالنظام الدستوري للدولة.
غياب مجلس النواب:
لم يحدد الدستور الجهة التي تتولى اتهام الوزراء في حال غياب مجلس النواب لأن غياب مجلس النواب لم يكن متصورا لدى وضع نصوص الدستور وقبل التعديلات التي طالته، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
1.  إن الأصل أن لا يغيب مجلس النواب مطلقاً لأن الدستور ينص على أن نظام الحكم نظام نيابي ملكي وراثي، وهي عناصر لا يجوز أن يغيب أي منها في أي لحظة من اللحظات طالما أنها العناصر المكونة لنظام الحكم.
2.  كما أن الأصل أن لا يغيب مجلس النواب مطلقا لأن الدستور ينص في المادة (68/2) منه على أن تجري الانتخابات الجديدة قبل أربعة أشهر من انتهاء ولاية المجلس القائم، وهو الأمر الذي يدلل على عدم جواز وجود فراغ في السلطة التشريعية في أي وقت من الأوقات كما هو الحال بشأن السلطة التنفيذية.
3.  على الرغم من أن صلاحية جلالة الملك بحل مجلس النواب موجودة بموجب المادة (34) من الدستور (للملك ان يحل مجلس النواب)، إلا أن هذه السلطة كانت، قبل التعديلات الدستورية، مثقلة بالضوابط على تلك الصلاحية، فنجد أن المادة (74) من الدستور قبل تعديلها كانت تنص على وجوب استقالة الحكومة التي يحل المجلس في عهدها خلال أسبوع من تاريخ حل مجلس النواب وأن تجري الانتخابات النيابية حكومة انتقالية، ثم جرى تعديلها بحيث تم شطب شرط رحيل الحكومة مما قلل كلفة اللجوء إلى قرارات الحل.
4.  كما إن صلاحية حل مجلس النواب لم تكن تؤدي إلى غياب المجلس بالشكل الحاصل حاليا، فقد كان الدستور، قبل تعديل المادة (73) منه، يوجب إجراء الانتخاب العام خلال أربعة اشهر على الأكثر من تاريخ الحل، وبخلاف ذلك يستعيد المجلس السابق سلطاته الدستورية كاملة ويعتبر الحل كأن لم يكن.  ولكن بموجب التعديل الأول للمادة (73) في عام 1976 تم إضافة فقرة تمنح مجلس الوزراء صلاحية التنسيب للملك بتأجيل الانتخاب العام لمدة سنة واحدة إذا كانت هناك ظروف قاهرة تمنع إجراء الانتخاب.  وفي عام 1984 جرى تعديل آخر أدى إلى إمكانية غياب مجلس النواب لمدة غير محددة وذلك بإلغاء سقف السنة الواحدة لصلاحية تأجيل الانتخاب العام بحيث أصبحت الفقرة (4) حاليا: (بالرغم مما ورد في الفقرتين (1 و 2) من هذه المادة للملك أن يؤجل إجراء الانتخاب العام إذا كانت هناك ظروف قاهرة يرى معها مجلس الوزراء أن إجراء الانتخاب أمر متعذر).
غياب المجلس العالي:
حدد الدستور تشكيلة المجلس العالي بموجب المادة (57) منه بحيث يتكون من رئيس مجلس الأعيان رئيسا وثمانية أعضاء ثلاثة منهم يعينهم مجلس الأعيان من أعضائه بالاقتراع، وخمسة من قضاة أعلى محكمة نظامية بترتيب الأقدمية، مع الإشارة إلى أن تشكيلة المجلس قبل تعديل الدستور عام 1958 كانت تنص على أن رئيس المجلس العالي هو رئيس أعلى محكمة نظامية بالإضافة إلى أربعة أعضاء من مجلس الأعيان يتم تعيينهم بالاقتراع.
وفي كل الأحوال، يبقى وجود وانعقاد مجلس الأعيان شرطاً أساسيا لتشكيل المجلس العالي، وغيابه أو عدم انعقاده يؤدي بالضرورة إلى غياب محكمة الوزراء الخاصة والوحيدة، وهو ما كان ينسجم مع نصوص الدستور الأخرى قبل التعديل الذي جرى عام 1974 بإعطاء الملك صلاحية حل مجلس الأعيان وإعفاء أي من أعضائه من العضوية، وبالتالي أصبح من الممكن غياب الجهة الوحيدة المخولة دستوريا محاكمة الوزراء لعدم إمكانية تشكيل المجلس العالي بسبب غياب أعضائه من مجلس الأعيان، وهو ما لم يكن متصورا في نصوص دستور 1952 قبل تعديله، وأصبحنا نواجه ليس فقط إشكالية غياب سلطة الاتهام للوزراء (مجلس النواب) بل وغياب المحكمة التي تملك وحدها حق الحكم عليهم.
إن التعديلات التي جرت على دستور 1952 كانت لاسباب انتفى الآن مبرر وجودها ولا بد من العودة عنها، حيث لا يجوز بقاء هذه التعقيدات الدستورية والتناقض بين مواد الدستور أو التعديلات المخالفة لروح الدستور ونظام الحكم للدولة القائم على أساس نظام نيابي ملكي، فلا يجوز أن يتضمن الدستور إمكانية غياب سلطة من سلطات الدولة لمدة محددة أو غير محددة ولا يجوز الإبقاء على نصوص لم يعد لها داع مثل النص على إمكانية إجراء الانتخاب في نصف دوائر المملكة أو تعيين نواب لإملاء مراكز شاغرة بغير الانتخابات.
ولا بد أيضا من احترام مواد دستورية قائمة مثل أن يكون قرار حل مجلس النواب مسببا التزاما بالمادة (74) من الدستور.  كما أن نظرية الظروف القاهرة هي نظرية قانونية مستقرة، فلا يجوز أن تنسب حكومة ما بتأجيل الانتخاب العام لوجود ظرف قاهر يتمثل في التحضير لإعداد قانون للانتخاب لان ذلك يشكل خرقاً للدستور يستوجب المسائلة.
كما أن الإصلاح الدستوري لا يحتاج إلى العودة عن جميع التعديلات التي طالت دستور 1952 فقط، بل لا بد من القيام بإصلاحات دستورية كإنشاء محكمة دستورية، ورد صلاحيات محاكمة الوزراء إلى المحاكم النظامية، وإلغاء المادة (71) من الدستور التي تعطي مجلس النواب حق الفصل في صحة نيابة أعضائه ورد تلك الصلاحيات إلى القضاء النظامي.